الرئيسية / قلم حر / علي منصور يكتب: الصفر الإيجابي

علي منصور يكتب: الصفر الإيجابي

“فليقل خيرًا أو ليصمت”، جزء من حديثٍ شريفٍ يحمل توجيهًا نبويًا يأمر بالسكوت إذا لم يكن ما ينتجه الحديث شيئًا نافعًا للقائل والمتلقي، ونحن هنا أمام ثلاثة أمور – إن صح التقسيم – الأول: أن يعمل المتكلم بالجزء الأول؛ فينطق بما فيه الخير؛ فيجازى بالحسنات “قيمة إيجابية”، والثاني: أن يعمل بضده؛ فينطق بما فيه الشر؛ فيجازى بالسيئات “قيمة سلبية”، والثالث: أن يعمل بالجزء الثاني؛ فلا ينطق بشيء، فهل يحمل السكوت قيمة أم يساوي العدم ؟ إن السكوت في هذه الحال جاء امتناعًا عن قول الشر، وهنا يحمل “قيمة إيجابية” رغم صفرية الحديث.

ومما يستدل به هنا ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما واللفظ لمسلم، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللّهِ – صلى الله عليه وسلم – فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، قَالَ: “إِنّ الله كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسّيّئَاتِ. ثُمّ بَيّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً وَإِنْ هَمّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله عَزّ وَجَلّ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ. وَإِنْ هَمّ بِسَيّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً. وَإِنْ هَمّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا الله سَيّئَةً وَاحِدَةً”.

إن الحسنة التي كتبها الله لمن هم بسيئة فلم يفعلها، تحمل قيمة إيجابية؛ لأن الترك هنا لا يساوي العدم؛ فليس كل انعدام بلا قيمة، وليس كل صفر يعبر عن نتيجة سلبية. إذن علينا أن ننظر للأشياء بميزان الشرع الذي شملت أحكامه الأمر “الفعل”، والنهي “الترك”، وفي الالتزام بهما “قيمة إيجابية”، لا أن نزن الأمور بميزان بشري غالبًا يجعل الترك عدمًا لا قيمة له.

عدم مراعاة الأحوال النفسية للنشء واحدة من أخطر الآفات التي أصابت المجتمع الإنساني عامة، والعربي الإسلامي خاصة، والتي تخرج جيلًا موزعًا بين الإفراط والتفريط، إفراطٌ في حب المادة التي تربى عليها أو في الثورة على ذلك المجتمع الذي لم يراعِ حاجياته النفسية فتلهب ثورته الأوضاع التي لاشك تتأجج، وتفريطٌ في حق المجتمع عليه ولما يهب مجتمعًا حقًا لم يوفِ له بحقه أولًا؟! اقرأ المزيد من هنا

مواقف كثيرة مرت في حياتي وحياتكم، صور من ترك أشياءٍ يراها أهلنا وأصدقاءنا لا حرج فيها، ومنها “العمل”، خاصة عند من تمتلكهم النزعة المادية ويلهثون خلف المال في كل مهبٍ لرياحه، إنهم حين نترك عملًا لا يحل ماله يتهموننا بالفشل والتقصير، لكننا وإن لم نحرز فيه مالًا، فإن امتناعنا عن الكسب الحرام يحمل قيمة إيجابية نرى أثرها في الدنيا ثم الأثر الأكبر في الآخرة؛ حيث يعاين اللائمون الأثر ويوقنون بإيجابية صفرية العمل الحرام.

إذن الصفر مجردًا ليس له قيمة وهو والعدم سواء إنما يكتسب قيمته تبعًا للموقف الذي يعبر عنه، وفي غالب حياة البشر قيمة سلبية تعبر عن التجرد من النجاح وما شابهه، غير أن صفر المعصية على سبيل المثال قيمة إيجابية، وكذا صفر اللسان من القيل والقال والغيبة والنميمة، وصفر اليد؛ حيث لا تكتب ما يسؤها يوم العرض على خالقها، أما في الرياضيات فيكتسب قيمته من حيث موضعه فتارة صفر يفرق بين رقم وأخر فيبقى الواحد واحدًا ويكسبه الصفر على يمينه القيمة الأكبر وكلما زادت الأصفار زادت القيمة، أما حين يوضع على شمال الرقم فلا قيمة له ولو كان عدده لانهائيًا.

ولعلنا نلمس شبهًا كبيرًا لا يخفى على المتدبر المتأمل بين الصفر رقميًا وحياتيًا، فتركك للمعصية طاعة في حد ذاتها وتحمل قيمة إيجابية فتكون من أهل اليمين يوم العرض إن ثبتت تلك القيمة وكلما زادت أصفارك تلك زادت قيمتك هناك، وأما الأصفار السلبية الحياتية فلا قيمة إيجابية لها، وإن كانت تحمل قيمة سلبية تجعل صاحبها من أهل الشمال كأصفار شمال الرقم فهي وإن تعددت فلا تساوي عند الله شيئًا، ويصبح صاحبها خاويًا إلا من عذاب النار، أعاذني الله وإياكم منها.

عن تدوينات

موقع يجمع مقالات في مجالات متعددة لكل ما هو مفيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.